ابن قيم الجوزية
601
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
تعالى : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( 8 ) [ الضّحى : 8 ] فكانوا أغنياء في فقرهم . فقراء في غناهم . فالفقر الحقيقي : دوام الافتقار إلى اللّه في كل حال ، وأن يشهد العبد - في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة - فاقة تامة إلى اللّه تعالى من كل وجه . فالفقر ذاتي للعبد . وإنما يتجدد له لشهوده ووجوده حالا ، وإلا فهو حقيقة . كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية . قدس اللّه روحه : والفقر لي وصف ذات لازم أبدا * كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وله آثار وعلامات وموجبات وأسباب أكثر إشارات القوم إليها . كقول بعضهم : الفقير لا تسبق همته خطوته . يريد : أنه ابن حاله ووقته . فهمته مقصورة على وقته لا تتعداه . وقيل : أركان الفقر أربعة : علم يسوسه ، وورع يحجزه ، ويقين يحمله ، وذكر يؤنسه . وقال الشبلي : حقيقة الفقر أن لا يستغني بشيء دون اللّه . وسئل سهل بن عبد اللّه : متى يستريح الفقير ؟ فقال : إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه . وقال أبو حفص : أحسن ما يتوسل به العبد إلى اللّه : دوام الافتقار إليه على جميع الأحوال . وملازمة السنة في جميع الأفعال ، وطلب القوت من وجه حلال . وقيل : من حكم الفقر : أن لا تكون له رغبة . فإذا كان ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته . وقيل : الفقير من لا يملك ولا يملك . وأتم من هذا : من يملك ولا يملكه مالك . وقيل : من أراد الفقر لشرف الفقر مات فقيرا . ومن أراده لئلا يشتغل عن اللّه بشيء مات غنيا . و « الفقر » له بداية ونهاية . وظاهر وباطن ، فبدايته : الذل . ونهايته العز . وظاهره : العدم . وباطنه : الغنى . كما قال رجل لآخر : فقر وذل ؟ فقال : لا . بل فقر وعز . فقال : فقر وثراء ؟ قال : لا بل فقر وعرش ، وكلاهما مصيب . واتفقت كلمة القوم على أن دوام الافتقار إلى اللّه - مع التخليط - خير من دوام الصفاء مع رؤية النفس والعجب ، مع أنه لا صفاء معهما . وإذا عرفت معنى « الفقر » علمت أنه عين الغنى باللّه . فلا معنى لسؤال من سأل : أي الحالين أكمل ؟ الافتقار إلى اللّه ، أم الاستغناء به ؟ . فهذه مسألة غير صحيحة . فإن الاستغناء به هو عين الافتقار إليه . وسئل عن ذلك محمد بن عبد اللّه الفرغاني فقال : إذا صح الافتقار إلى اللّه تعالى فقد صح الاستغناء باللّه ، وإذا صح الاستغناء باللّه كمل الغنى به . فلا يقال أيهما أفضل : الافتقار أم الاستغناء ؟ لأنهما حالتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى . وأما كلامهم في مسألة « الفقير الصابر ، والغني الشاكر » وترجيح أحدهما على صاحبه . فعند أهل التحقيق والمعرفة : أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى . وإنما يرجع إلى